الشيخ محمد هادي معرفة

320

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وكان الأولى أن تكون آية الإصلاح نسخا لآية حرمة تبديل الوصيّة « 1 » كما في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام « 2 » ولكن نسخا لإطلاق الآية لالأصلها وليس من النسخ المصطلح . 34 ( 3 ) - « إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً » . « 3 » قال ابن حزم : لمّا نزلت هذه الآية امتنع المسلمون من التصرّف في أموال اليتامى واعتزلوا عنهم ، فدخل الضرر على الأيتام فنزلت : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ » « 4 » فكان ترخيصا في المخالطة . ثمّ نزلت : « وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ » « 5 » فهذه الآية نسخت الأُولى . « 6 » قلت : لا نرى تنافيا بين تحريم أكل مال اليتيم ظلما وجواز أكله بالمعروف إزاء ما يقوم به من خدمات . فلا مبرّر للقول بالنسخ هنا ، بل الآية الأُولى باقية على أحكامها كالآية الثانية . ولعلّ ابن حزم اشتبهت عليه هذه الآية - هنا - بآية « وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً - أي إثما - كَبِيراً » . « 7 » فقد روي أنّه لمّا نزلت هذه الآية كره المسلمون مخالطة اليتامى فشقّ ذلك عليهم فشكوا إلى رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله فأنزل اللّه سبحانه : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ » وهذا هو المروي عن الإمامين الباقر والصادق عليهماالسلام . « 8 » وليس هذا أيضا من النسخ المصطلح ، وإنّما جاءت الثانية لبيان جوانب الرخصة من مخالطة اليتامى ، ليكون النهي في الأُولى موجّها إلى أُولئك الطامعين في أموال الصغار ، أمّا مريد الإصلاح فهو محسن لاملامة عليه ولم يشمله ذلك التحريم أصلا ، فهو ترخيص في مقام توهّم الحظر ، لاأنّها إجازة بعد تحريم ، فلا نسخ بتاتا .

--> ( 1 ) - البقرة 181 : 2 . ( 2 ) - الصافي في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 163 . ( 3 ) - النساء 10 : 4 . ( 4 ) - البقرة 220 : 2 . ( 5 ) - النساء 6 : 4 . ( 6 ) - رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 168 - 169 . ( 7 ) - النساء 2 : 4 . ( 8 ) - مجمع البيان ، ج 3 ، ص 3 - 4 .